الشيخ محمد هادي معرفة
154
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الظاهر خلافه . ولم يقل القوم : لولا علمنا بنزوله جملة واحدة ، بل قالوا : لولا انزل إليك جملة واحدة . وجوابهم إذا كان انزل كذلك أن يقال : قد كان الذي طلبتموه ، ولايحتجّ لإنزاله متفرقّا بماورد بنزوله في تمام الآية . فأمّا قوله : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » « 1 » فإنّما يدلّ على أنّ جنس القرآن ( معظمه أو بدء شروعه ) نزل في هذا الشهر ، ولايدلّ على نزول الجميع فيه . فأمّا قوله : « وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ » « 2 » فلا ندري من أي وجه دلّ على أنّهُ انزل جملة واحدة . وقد كان أنّه رحمهالله يبيّن وجه دلالته على ذلك . وهذه الآية بأن تدلّ على أنّه ما انزل جملة واحدة أولى ، لأنّه تعالى قال : « قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ » وهذا يقتضي أنّ في القرآن منتظرا ما قضى الوحي به وقوع منه . وقد كنّا سئِلنا إملاء تأويل هذه الآية قديما ، فأملينا فيها مسألة مستوفاةً ، وذكرنا عن أهل التفسير فيها وجهين ، وضممنا إليهما وجها ثالثا تفرّدنا به . فأحد الوجهين : إنّه كان عليه السلام إذا نزل عليه الملك بشيء من القرآن قرأه مع الملك المؤدّي له إليه قبل أن يستتمّ الأداء . حرصا منه عليه السلام على حفظه وضبطه . فأمر عليه السلام بالتثبّت حتى ينتهي غاية الأداء ، لتعلّق الكلام بعضه ببعض . والوجه الثاني : إنّه صلى الله عليه وآله نهى أن يبلّغ شيئا من القرآن قبل أن يوحى إليه بمعناه وتأويله وتفسيره . والوجه الثالث - الذي انفردنابه - إنّه صلى الله عليه وآله نهى عن أن يستدعي من القرآن مالم يوح إليه به لأنّ ما فيه مصلحة منه لابدّ من إنزاله وإن لم يستدع ، لأنّه تعالى لايدّخر المصالح عنهم . ومالا مصلحة فيه لايُنزله على كلّ حال ، فلا معنى للاستدعاء . فلا تعلق للآية بالموضع الذي وقع فيه . . . « 3 »
--> ( 1 ) - البقرة 185 : 2 . ( 2 ) - طه 114 : 20 . ( 3 ) - جواب المسائل الطرابلسيّات الثالثة . ضمن المجموعة الأُولى من رسائل الشريف المرتضى ، ص 403 - 405 .